الشيخ ناصر مكارم الشيرازي

292

نفحات القرآن

عندما يصل إلى هذه الآية يقول : إنّ آخر الآية دليل لمؤيدي الجبر ، بينما صدرها دليل لمؤيدي الاختيار ! ثم يضيف : قلّما نجد آية في القرآن تؤيد أحد الفريقين ، وإذا ما وجدنا آية مؤيدة لفريق وجدنا قبالها آية تؤيد الفريق المقابل ، والتجربة شاهد على ما نقول ، وهذا امتحان صعب من اللَّه للعباد ، وذلك لكي يتميز الراسخون في العلم عن المقلِّدين « 1 » ! ياله من اعتراف عجيب ؟ ! ونضيف إلى ما قاله الفخر الرازي : أنّ كلًا من آيات القرآن لا يمكن دراستها وملاحظتها لوحدها من دون ملاحظة ودراسة الآيات الأخرى فضلًا عن صدر وذيل الآية الواحدة ، كما نقول : إنّ الآية بصدرها وذيلها دليل على مسألة الاختيار لا شيء آخر ، وذلك لأنّ صدرها يقول : إنّ الإعراض عن آيات اللَّه واقتراف الذنوب من أفعال الإنسان وهو فاعلها باختياره ، بينما ذيل الآية يقول : إنّ اللَّه يعاقب المُصرّين على السير في هذا الطريق ، وعقابهم هو جعل الأكنة على قلوبهم . وبتعبير آخر : إنّ اللَّه جعل لهذه الذنوب آثاراً ومردودات ، وهذه الآثار تعكّر صفاء القلب ، وتسلب قدرة التمييز عند الإنسان ، فأيّ جبر في هذا الحديث ؟ ! مثله كمثل الخبير الذي يعلم بأن السم قاتل ، وبالرغم من ذلك يتناوله ، فهل هذا التأثير القهري للسم جبر ؟ ! ج‌ج وقد أشارت الآية الأخيرة إلى المعاندين الذين يختلقون الحُجج ويسألون - أحياناً - هذا السؤال : لِمَ لَمْ ينزل القرآن أعجمياً كي نعيره أهميّة أكبر ولكي لا ينحصر في العرب ؟ ( قد يكون غرضهم الأساسي من هذا هو عدم فهم عامة الناس له والاقبال عليه إذا ما كان أعجمياً ) .

--> ( 1 ) . تفسير الكبير ، ج 21 ، ص 142 ، والعجيب أنّ الآلوسي في روح المعاني عندما نقل عبارة الفخر الرازي ادعى أن‌ّالفخر الرازي قال : إنّ هذه الآية من أدلة القائلين بالجبر والآية التي قبلها من أدلة القائلين بالاختيار . وقد نقل صاحب الميزان العبارة من روح المعاني ، بينما مراد الفخر الرازي صدر وذيل الآية نفسها ( تأمل جيداً ) .